أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
76
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن تفعّل بمعنى استفعل ، أي : فاستقبلها ربّها يقال : استقبلت الشيء أي : أخذته أول مرة ، والمعنى : أنّ اللّه تولاها في أول أمرها وحين ولادتها ومنه قوله - وهو القطامي - : 1250 - وخير الأمر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبّعه اتباعا « 1 » ومنه المثل : « خذ الأمر بقوابله » . وتفعّل بمعنى استفعل كثير نحو : تعظّم واستعظم ، وتكبّر واستكبر ، وتقصّيت الشيء ، واستقصيته وتعجّلته واستعجلته . والباء في قوله : بِقَبُولٍ فيها وجهان ، أحدهما : أنها زائدة أي : قبولا ، وعلى هذا فينتصب ، « قبولا » على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد ؛ إذ لو جاء على تقبّل لقيل : تقبّلا نحو : تكبّر تكبّرا . وقبول من المصادر التي جاءت على فعول بفتح الفاء ، وقد تقدّم ذكرها أول البقرة ، يقال : قبلت الشيء قبولا . وأجاز الفراء والزجاج ضمّ القاف من « قبول » ، وهو القياس كالدّخول والخروج ، وحكاها ابن الأعرابي عن العرب : قبلته قبولا وقبولا بفتح القاف وضمّها سماعا عن العرب ، و « على وجهه قبول » لا غير ، يعني لم يقل هنا إلا بالضم « 2 » ، وأنشدوا : 1251 - . . . * . . . والوجه عليه القبول « 3 » بضم القاف كذا حكاه بعضهم . وقال الزجاج : « إن » قبولا هذا ليس منصوبا بهذا الفعل حتى يكون مصدرا على غير الصدر ، بل هو منصوب بفعل موافق له أي : مجرد قال : « والتقدير : فتقبّلها بتقبّل حسن وقبلها قبولا حسنا أي : رضيها وفيه بعد . والوجه الثاني : أنّ الباء ليست زائدة ، بل هي على حالها ، ويكون المراد بالقبول هنا اسما لما يقبل به الشيء نحو : « اللّدود » « 4 » لما يلدّ به ، والسّعوط : لما يسعط به ، والمعنى بذلك اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النّذر . وقوله : وَأَنْبَتَها نَباتاً نبات أيضا مصدر على غير الصدر ؛ إذ القياس : إنبات . وقيل : بل هو منصوب بمضمر موافق له أيضا تقديره : فنبتت نباتا حسنا . وقوله : وَكَفَّلَها قرأ الكوفيون : « وَكَفَّلَها » بتشديد العين ، « زَكَرِيَّا » بالقصر ، إلا أبا بكر فإنه قرأه بالمدّ كالباقين ، ولكنه ينصبه ، والباقون يرفعونه كما سيأتي . وقرأ مجاهد : « فتقبّلها » بسكون اللام ، « ربّها » منصوبا ، و « أنبتها » بكسر الباء وسكون التاء ، و « كفّلها » بكسر الفاء وسكون اللام ، وقرأ أبيّ : « وأكفلها » ك « أكرمها » فعلا ماضيا . وقرأ عبد اللّه « 5 » المزني « وكفلها » بكسر الفاء والتخفيف . فأمّا قراءة الكوفيين فإنهم عدّوا الفعل بالتضعيف إلى مفعولين ، ثانيهما « زَكَرِيَّا » فمن قصره كالأخوين وحفص كان عنده مقدّر النصب ، ومن مدّه كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة ، وهكذا قرأته .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) وقد ضبطها ابن منظور بالفتح . انظر اللسان : قبل . ( 3 ) جزء بيت . ( 4 ) اللدود : ما يصبّ بالمسعط من السقي والدواء من أحد سقى الفم . اللسان : الدد ( 4019 ) . ( 5 ) عبد اللّه بن مغفل بن عفيف بن أسحم المزني أبو زياد بايع تحت الشجرة ونزل البصرة مات سنة سبع وخمسين . انظر الخلاصة 2 / 103 .